الراغب الأصفهاني
53
محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء
احتلت للدنيا ولذّاتها * بحيلة تذهب بالدّين فأين ما كنت به واعظا * من ترك أبواب السّلاطين إن قلت أكرهت فما هكذا * زلّ حمار العلم في الطين من زان علمه بعمله قال أمير المؤمنين عليّ كرم اللّه وجهه : اعقلوا الخير إذا سمعتموه عقل رعاية لا عقل رواية فرواية العلم كثيرة ورعايته قليلة . كثرة العلم في غير طاعة اللّه مادة الذنوب . وقيل : العلم يهتف « 1 » بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل . ذمّ من شان علمه بتقصير قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : أشدّ الناس عذابا يوم القيامة عالم لا ينتفع بعلمه ، وقال عليه السلام : أشدّ الناس ندامة عند الموت العلماء المفرطون « 2 » . وقال صلى اللّه عليه وسلم : اللّهمّ إنّي أعوذ بك من علم لا ينفع ، وقلب لا يخشع ، وعين لا تدمع ، ونفس لا تشبع ، وأعوذ بك من شرّ هؤلاء الأربع . كتب الشافعي « 3 » رضي اللّه عنه إلى عالم : قد أوتيت علما فلا تطفئ نور علمك بظلمة الذنوب ، فتبقى في الظلمة يوم يسعى أهل العلم بنورهم . تفضيل العلم على العمل قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : فقيه واحد أشدّ على الشيطان من ألف عابد . وقال صلى اللّه عليه وسلم : عمل قليل في علم خير من كثير منه في جهل . وقال الحسن رضي اللّه عنه : أدركت قوما من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقولون : من عمل بغير علم كان ما أفسد أكثر مما أصلح . ذمّ شره العالم وطلب الدنيا بالعلم قال صلى اللّه عليه وسلم : من ازداد في العلم رشدا ولم يزدد في الدنيا زهدا ، لم يزدد من اللّه إلا بعدا . وروى في الخبر من آتاه اللّه علما فلم يتنزّه به عن الدنيا كتب بين عينيه الفقير إلى يوم القيامة . قال مالك : قلت للحسن : ما عقوبة العالم ؟ قال : موت قلبه . قلت : وما هو ؟ قال :
--> ( 1 ) يهتف بالعمل : هتف في اللغة صات أو مدّ صوته ، وهتف فلان بفلان صاح به ، وهتف بالعمل دعا إليه . ( 2 ) المفرطون : جمع مفرط وهو اسم فاعل من أفرط الأمر أي نسبه وتركه . ( 3 ) الشافعي : هو محمد بن إدريس من أئمة الدين وصاحب المذهب المعروف باسمه . ولد الشافعي في مدينة غزّة سنة 151 ( 767 م ) ، ومات في مصر سنة 205 ه ( 820 م ) لكنّ نشأته كانت في مكّة المكرمة . ومنها قدم إلى بغداد ومن أشهر آثاره « كتاب الأم » .